هوية الكتاب وبنيته
يقدّم «تاريخ فلسطين عبر العصور» سرداً مكثفاً لتاريخ فلسطين من عصور ما قبل التاريخ حتى الصراع الصهيوني البريطاني ونكبة 1948. بُني الكتاب في عشرة فصول متتابعة زمنياً، تبدأ بـ«فجر الحضارة» وتنتهي بـ«الصهيونية والإنجليز».
النطاق والمنهج
يعتمد الكتاب الترتيب الزمني، لكنه يربط تاريخ فلسطين بتاريخ مصر وبلاد الشام والعراق والبحر المتوسط. ويعرض الحروب والهجرات والتحولات الدينية والاقتصادية بوصفها أجزاء من تاريخ إقليمي متداخل، لا أحداثاً فلسطينية معزولة.
المنهج تجميعي وتفسيري؛ فهو يستفيد من الآثار والنقوش والروايات القديمة، لكنه يقدّم أحياناً أحكاماً جدلية ينبغي فصلها عن الوقائع الأثرية والتواريخ الأكثر ثبوتاً.
فلسطين: الحدود والجغرافيا
يفتتح الكتاب بتحديد جغرافي قريب من حدود فلسطين في عهد الانتداب البريطاني: غور الأردن ووادي عربة شرقاً، والبحر المتوسط غرباً، وخليج العقبة جنوباً، مع حدود شمالية يراها المؤلف أقل طبيعية بسبب رسمها السياسي الحديث.
ويعرض تنوع البلاد بين الجليل والمرتفعات الوسطى والسهل الساحلي والنقب وغور الأردن، ويربط هذا التنوع بدور فلسطين ممراً بين آسيا وأفريقيا والبحر المتوسط.
تقسيم العصور السابقة للتاريخ
يقسم المؤلف المراحل السابقة للتاريخ المكتوب إلى العصر الحجري القديم، والعصر النطوفي، وأريحا القديمة، ثم طور الانتقال إلى التاريخ. ويجعل اختراع الكتابة ونشوء الدولة المركزية علامتين فاصلتين في الانتقال من ما قبل التاريخ إلى التاريخ.
العصر الحجري القديم
يعرض الكتاب مكتشفات الكهوف الفلسطينية، ومنها كهوف الكرمل والجليل، بوصفها شواهد على حضور بشري بالغ القدم. ويتوقف عند أدوات الحجر وبقايا الإنسان القديم، ويربط التطور التقني بتغير أنماط الصيد والسكن والتكيف مع البيئة.
العصر النطوفي
يصف الكتاب الثقافة النطوفية بأنها مرحلة حاسمة بين حياة الصيد وجمع الغذاء وبين الاستقرار القروي. ويبرز القرى الدائرية، والأدوات المركبة، وازدياد الاستفادة من الحبوب، مع بقاء الزراعة غير مكتملة في بدايات هذه المرحلة.
أريحا وبداية الاستقرار الحضري
تحتل أريحا مكاناً مركزياً في السرد؛ فالكتاب يعرض أسوارها وبرجها الحجري وبيوتها المبكرة دليلاً على نشوء مجتمع مستقر منظم. ويشير إلى تحولات العمارة من البيوت الدائرية إلى المستطيلة، وإلى تطور تخزين الغذاء وتقسيم العمل.
من النحاس إلى المدن الكنعانية
في طور الانتقال إلى التاريخ يبرز استعمال النحاس وتكاثر المدن المحصنة وتطور الفخار والتجارة. ويرى المؤلف أن هذه التحولات مهّدت لتكوين مدن كنعانية ذات إدارة ودفاع واقتصاد زراعي وتجاري أكثر تعقيداً.
الكنعانيون والأموريون
يقدّم الفصل الثاني الكنعانيين والأموريين بوصفهم مكوّنين أساسيين في تاريخ فلسطين وبلاد الشام القديم. ويعرض نشوء المدن الكنعانية واتصالها بالساحل والداخل، وحركة الأموريين بين الشام والعراق ومساهمتهم في تكوين دول ومراكز حضرية.
المدينة الكنعانية: الاقتصاد والدين
يركز الكتاب على الزراعة والتجارة والصناعات الحرفية والتحصينات، وعلى تعدد الآلهة والطقوس في المدن الكنعانية. كما يربط بين موقع فلسطين وبين التبادل التجاري والثقافي مع مصر وسورية وبلاد الرافدين.
الحرب بين فلسطين ومصر
يتتبع المؤلف الصراع المصري على طرق التجارة والمدن الفلسطينية منذ الدولة القديمة والوسطى، ثم يتوسع في حملات الدولة الحديثة. ويستخدم قصة سنوحي ومذكرات القائد وني ونقوش الفراعنة لإظهار الصلات العسكرية والدبلوماسية بين مصر وفلسطين.
الهكسوس والتحولات الإقليمية
يعرض الكتاب الهكسوس ضمن حركة شعوب سامية وآسيوية وصلت إلى مصر عبر فلسطين، ويربط صعودهم بضعف الدولة المصرية وبالسيطرة على طرق المواصلات. وبعد طردهم أعادت مصر فرض نفوذها في فلسطين وبلاد الشام.
التوراة والهوية القديمة في قراءة المؤلف
يقدّم المؤلف قراءة جدلية للتوراة، فيذهب إلى أن كثيراً من مادتها تشكّل داخل البيئة الكنعانية والبابلية، وأن اسم «إسرائيل» في بعض النقوش لا يثبت بالضرورة وجود دولة يهودية مبكرة بالمعنى اللاحق.
شعوب البحر
يعرض الفصل الثالث انهيار ممالك شرقي المتوسط في أواخر العصر البرونزي وهجمات شعوب البحر على الأناضول وسورية والساحل الفلسطيني ومصر. ويربط استقرار بعض هذه الجماعات في الساحل الجنوبي بظهور «فلستيا» وانتشار اسم فلسطين.
الفلست والمدن الساحلية
يصف الكتاب استقرار الفلست في مدن الساحل، وتطورهم العسكري والحرفي، ولا سيما في صناعة الحديد. ويعرض صراعهم مع الجماعات الجبلية، ودور مدن غزة وعسقلان وأشدود وعقرون وجت في تشكيل قوة سياسية إقليمية.
شعوب الصحراء
ينتقل المؤلف إلى القبائل والجماعات القادمة من البادية، ويعرض حركة الآراميين والعمونيين والمؤابيين والأدوميين والعبرانيين في فضاء الشام. ويرى أن التداخل بين البداوة والاستقرار كان عاملاً دائماً في إعادة تشكيل السكان والسلطة.
الآشوريون يجتاحون فلسطين
يفتتح الفصل الرابع بحملات آشور على فلسطين، ويعرض سقوط الممالك المحلية وتدمير السامرة وترحيل السكان وفرض الجزية. ويضع هذه السياسة ضمن مشروع آشوري للسيطرة على الممر الواصل بين العراق ومصر.
الكلدانيون والبابليون
بعد سقوط آشور انتقلت فلسطين إلى مجال الصراع البابلي المصري. ويعرض الكتاب حملات نبوخذ نصر، وسقوط القدس، والسبي البابلي، وما أحدثه ذلك من إعادة تنظيم للهويات الدينية والسياسية في المنطقة.
الفرس في فلسطين
مع قيام الدولة الأخمينية أصبحت فلسطين جزءاً من نظام إداري واسع. ويشير المؤلف إلى عودة جماعات من السبي، وإعادة بناء القدس، واستمرار أهمية الساحل الفلسطيني في التجارة والأساطيل الفارسية.
المقدونيون يجتاحون فلسطين
يعرض الفصل الخامس دخول الإسكندر المقدوني ثم تنافس البطالمة والسلوقيين على فلسطين. ويبرز انتشار الثقافة الهلنستية، وصراع المدن والنخب، والاضطراب الذي رافق تبدل السلطة بين مصر وسورية.
فلسطين في العصر الروماني
يتناول الكتاب التدخل الروماني، وصعود هيرودس، وتحول فلسطين إلى مجال تابع للإمبراطورية. ويربط بين الضرائب والصراعات الداخلية والتوتر الديني وبين الثورات التي انتهت بتدمير القدس وتغييرات سكانية وإدارية واسعة.
الثورات والحكم الروماني
يستعرض المؤلف الثورة الكبرى وثورة باركوخبا وسياسة روما تجاه القدس واليهودية، مع الإشارة إلى انتشار المسيحية وتحول فلسطين إلى مركز ديني للإمبراطورية.
فلسطين والإمبراطورية البيزنطية
يرصد الكتاب ازدهار المدن والكنائس والأديرة والحج المسيحي، ثم الصراعات المذهبية والضرائب والحروب البيزنطية الفارسية. ويقدّم هذه المرحلة بوصفها تمهيداً لتحول سياسي وديني جديد مع الفتح العربي الإسلامي.
الفتح والتعريب
يفتتح الفصل السادس بالفتح العربي في القرن السابع، ويعرض انتقال السلطة من البيزنطيين إلى الدولة الإسلامية. ويرى المؤلف أن التعريب كان عملية تاريخية طويلة شملت الإدارة واللغة والثقافة، لا مجرد تبدل عسكري سريع.
الثورات في فلسطين
يتتبع الكتاب ثورات وتمردات محلية في العهدين الأموي والعباسي، ويربطها بالصراع على الضرائب والسلطة وبالتنافس القبلي. كما يعرض آثار الزلازل والأوبئة والحروب على المدن والريف.
فلسطين مركزاً للقوى المتصارعة
بعد ضعف الخلافة المركزية تنازعت فلسطين قوى مصر والشام والعراق، فتعاقب عليها الطولونيون والإخشيديون والعباسيون وقوى محلية. ويظهر في السرد أن موقع البلاد جعلها عرضة للتبدل السياسي السريع.
الفاطميون والصراع على الشام
يعرض المؤلف دخول الفاطميين وصراعهم مع العباسيين والقرامطة والقبائل المحلية، ثم التنافس مع القوى التركية. وتظهر القدس والرملة وعكا وغزة كمراكز عسكرية وإدارية في هذا الصراع.
السلاجقة في فلسطين
يتناول الكتاب التوسع السلجوقي في القرن الحادي عشر وتراجع السيطرة الفاطمية، وما رافق ذلك من اضطراب سياسي وعسكري سبق الحملات الصليبية. ويشير إلى أثر الحروب في التجارة والعمران والاستقرار السكاني.
الأوضاع العامة قبيل الحروب الصليبية
يلخص المؤلف الحياة الاقتصادية والاجتماعية في فلسطين الإسلامية: الزراعة والمدن والأسواق والحج والتعدد الديني. ويؤكد أن الازدهار لم يكن متساوياً، وأن الصراعات المتكررة أضعفت بعض المدن والطرق.
الحروب الصليبية
يعرض الفصل السابع احتلال القدس وتأسيس الممالك الصليبية وسيطرتها على الساحل والطرق. ويرصد المقاومة الإسلامية من السلاجقة والزنگيين والأيوبيين، ويضع الحرب ضمن صراع طويل على الموانئ والحصون ومراكز الحج.
صلاح الدين والأيوبيون
يتوقف الكتاب عند توحيد مصر والشام ومعركة حطين واستعادة القدس، ثم عند التسويات والحروب اللاحقة في العهد الأيوبي. ويبيّن أن الصراع لم ينته باستعادة القدس، بل استمر حول الساحل والمدن المحصنة.
المغول وصعود المماليك
يربط المؤلف الغزو المغولي بتحول ميزان القوى، ثم يبرز دور المماليك في وقف التوسع المغولي وفي إنهاء الوجود الصليبي الساحلي تدريجياً.
سقوط عكا
يفتتح الفصل الثامن بسقوط عكا سنة 1291، بوصفه نهاية آخر مركز صليبي كبير في فلسطين. ويرى المؤلف أن الحدث أغلق مرحلة تاريخية طويلة وفتح طور السيطرة المملوكية الكاملة.
فلسطين في العهد المملوكي
يعرض الكتاب إعادة تنظيم المدن والطرق والبريد والأوقاف، وتراجع بعض الموانئ لأسباب أمنية وتجارية. كما يذكر الأوبئة والصراعات الداخلية والضرائب، ويصف مجتمعاً يجمع الزراعة والحج والتجارة الإقليمية.
نهاية المماليك والفتح العثماني
يبدأ الفصل التاسع بانهيار الدولة المملوكية أمام العثمانيين في أوائل القرن السادس عشر. وأصبحت فلسطين جزءاً من ولايات بلاد الشام ضمن إدارة مركزية تعتمد السناجق والضرائب والالتزام.
الإدارة العثمانية والتحولات المحلية
يرصد المؤلف فترات الاستقرار والضعف في الحكم العثماني، وصعود أسر وقوى محلية، وتبدل أوضاع الفلاحين والبدو والمدن. ويعرض التنافس بين الولاة والزعامات المحلية بوصفه سمة متكررة.
ظاهر العمر والاستقلال الذاتي
يخصص الكتاب مساحة لظاهر العمر، الذي بنى نفوذاً محلياً في الجليل وعكا في القرن الثامن عشر، واستفاد من تجارة القطن والتحالفات الإقليمية. ويقدمه مثالاً على اتساع الحكم المحلي داخل الإطار العثماني.
إبراهيم باشا وفلسطين
يعرض الاحتلال المصري لبلاد الشام في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، والإصلاحات العسكرية والإدارية والضرائب والتجنيد. كما يتناول الثورة الفلسطينية ضد حكم إبراهيم باشا وما رافقها من قمع واضطراب.
فلسطين قبيل الانتداب البريطاني
يتناول الكتاب إصلاحات القرن التاسع عشر، وتوسع التجارة والبعثات والقنصليات والهجرة، ونمو المدن والمرافئ. وفي الوقت نفسه بدأت الهجرة الصهيونية وشراء الأراضي ضمن تحولات الدولة العثمانية والاقتصاد العالمي.
نشوء الصهيونية
يفتتح الفصل العاشر بنشوء الحركة الصهيونية في أوروبا، ويربطها بالقومية الأوروبية والاضطهاد المعادي لليهود والاستعمار. ثم يعرض المؤتمرات الصهيونية والهجرة المنظمة والاستيطان وشراء الأراضي في فلسطين.
من بلفور إلى التقسيم
يتتبع المؤلف وعد بلفور والانتداب البريطاني وتناقض الوعود البريطانية، ثم توسع المؤسسات الصهيونية والهجرة والحماية السياسية. ويعرض مشاريع التقسيم بوصفها ثمرة تلاقي السياسة البريطانية مع المشروع الصهيوني.
أعوام دامية: الثورة والقمع
يعرض الكتاب ثورة 1936–1939، والإضراب العام، والمقاومة المسلحة، والقمع البريطاني الواسع. ويرى أن تفكيك القيادة الفلسطينية ونزع السلاح أضعفا المجتمع قبيل المواجهة الحاسمة في أواخر الأربعينيات.
الحرب العالمية الثانية والتقسيم وحرب 1948
يتناول المؤلف أثر الحرب العالمية الثانية، وتصاعد الهجرة والعمليات المسلحة، وقرار تقسيم فلسطين سنة 1947، ثم انسحاب بريطانيا واندلاع الحرب. وينتهي السرد بقيام إسرائيل وتشريد أعداد كبيرة من الفلسطينيين وتحول القضية إلى صراع عربي ودولي مفتوح.
الأسئلة التي يتركها الكتاب مفتوحة
يختم المؤلف بسلسلة أسئلة عن مسؤولية بريطانيا والدول العربية والقيادات الفلسطينية، وعن أسباب التفوق العسكري الصهيوني وتعثر الجيوش العربية. ولا يقدّم إجابات نهائية، بل يجعلها مدخلاً إلى نقد الروايات السياسية السائدة.
اللغة والأسلوب
لغة الكتاب مباشرة وجدلية، تجمع السرد التاريخي بالتعليق السياسي. ويستخدم المؤلف أسئلة استنكارية ومواقف صريحة، ولا يلتزم الحياد الأكاديمي الصارم في كل المواضع، لكنه يحافظ على خط زمني واضح وسرد سهل للقارئ العام.
المصادر والقيمة المعرفية
تكمن قيمة الكتاب في جمع مسار طويل داخل مجلد واحد، وفي إبراز التاريخ السابق للعصور التوراتية وربط فلسطين بمحيطها. كما تفيد قائمته المرجعية في التعرف إلى مصادر عربية ومترجمة كانت متاحة للمؤلف في زمن التأليف.
الخلاصة النهائية
يرسم الكتاب تاريخ فلسطين بوصفه تاريخ أرضٍ عند ملتقى القارات، تعاقبت عليها حضارات وإمبراطوريات من دون أن تنقطع صلتها بالسكان المحليين وبمحيطها العربي والمشرقي.
تنتقل الرواية من الكهوف والقرى الأولى وأريحا والكنعانيين، إلى الآشوريين والفرس واليونان والرومان، ثم إلى الفتح العربي والحروب الصليبية والمماليك والعثمانيين، وصولاً إلى الصهيونية والانتداب والنكبة.
أهميته في اتساع منظوره وسهولة سرده، وحدوده في طابعه الجدلي واختصاره الشديد واعتماده على معرفة تاريخية تحتاج في بعض المواضع إلى مراجعة حديثة.
