لمحة عن الكاتب
ولد يوسف سامي اليوسف سنة 1938 في قرية لوبية الواقعة في قضاء طبرية. وهي واحدة من القرى الفلسطينية التي طالها الخراب والتهجير إبّان النكبة. في عام 1948، حين حلّ الخراب في فلسطين غادر الطفل الصغير مع أسرته إلى لبنان، واستقر بهم المقام في مخيم «ويفل» قرب بعلبك، حيث بدأت ملامح وعيه الأولى تتشكّل في بيئة اللجوء القاسية التي رافقت كل فلسطينيٍ حُرم من أرضه.
انتقلت الأسرة إلى سوريا عام 1956، فكانت دمشق محطته التي عاش فيها بقية عمره. فيها أكمل دراسته، فالتحق عام 1960 بكلية الآداب – قسم اللغة الإنجليزية في جامعة دمشق. ولم يكد ينهي فصله الجامعي الأول حتى توظف لدى وكالة الأونروا مدرّساً لمادة اللغة الإنجليزية لطلاب المرحلة الإعدادية. أنهى دراسته الجامعية عام 1964، وتابع مسيرته في التدريس إلى جوار مسيرته الأدبية ناقداً وباحثاً ومترجماً ومفكراً.
عاش اليوسف معظم حياته في مخيم اليرموك جنوب دمشق؛ ذلك الحي الفلسطيني المزدحم بالوجع والحياة في آن واحد. ومنذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، صار منزله المتواضع في المخيم ملتقىً للنخبة الأدبية والفكرية. فكان يطرق بابه كتّاب شباب وشعراء ومثقفون، سوريون وفلسطينيون وعرب آخرون، بحثاً عن قراءة أمينة لكتاباتهم. كان يستقبلهم بكرم روحيّ نادر، ويقدّم رأياً نقدياً صارماً حيناً، وحنوناً حيناً آخر، لكنه كان دائماً صادقاً وعميقاً، حتى أطلقوا عليه لقب «ضمير النقد الفلسطيني في سوريا». ويوجد عدد من المثقفين العرب ممن أطلقوا عليه «هيغل العرب». بينما هناك من وصفه بأنه «هو الناقد عندما يكون مبدعاً»، مثل الشاعر أو الروائي أو الفنان.
بدأت أعماله تُنشر علناً منذ مطلع السبعينات عبر مقالات في الصحف والمجلات السورية، ثم تتابعت كتبه، وكان باكورتها كتاب «مقالات في الشعر الجاهلي» سنة 1975. ومنذ ذلك الكتاب، أخذ اليوسف يشقّ لنفسه طريقاً نقدياً متفرّداً، يتعامل فيه مع النصوص الأدبية – شعرها ونثرها – بوصفها كينونات نابضة تستحق الإصغاء لا التلخيص. طوّر منهجاً خاصاً به، ينبع من حسّ فلسفي ونفسي ولغوي يجمع بين التراث العربي وأدوات الفكر الحديث، فكان قارئاً للمعنى في عمقه، لا في ظاهره.
تميّزت كتاباته بتعابير أصبحت شبه «علامات مميّزة» باسمه، مثل: «البرهة الطللية»، «حوزة السداد»، «تسريح النفس»، «الألطاف الحسنى»، و«تهجّس أسرار الوجود». وهي مفردات لم تكن محض زخرفة لغوية، بل مفاتيح لفهم رؤيته الأنطولوجية تجاه الأدب والإنسان واللغة. وقد وضع خلال حياته أكثر من ثلاثين كتاباً في النقد الأدبي، وقضايا الشعر العربي، والتاريخ، إلى جانب ترجمات أدبية من الإنجليزية، فضلًا عن مئات المقالات الفكرية والأدبية التي نُشرت في صحف ومجلات عربية مختلفة.
ومع بزوغ الألفية الثالثة، مال اليوسف إلى كتابة ما يشبه السيرة الفكرية، فأصدر عمله الكبير «تلك الأيام» في أربعة أجزاء، سجّل فيها ذاكرته الممتدة منذ ولادته في فلسطين قبل النكبة، مروراً بمخيمات الشتات في لبنان وسوريا، وحتى سنواته الأخيرة. كما دوّن شهادته الطويلة عن دمشق التي عاش فيها ما يزيد عن ستة عقود، فخرج كتابه «دمشق التي عايشتها» بمثابة سجلّ وجداني لمدينة صارت وطنه الثاني.
وحين عصفت الأحداث الدامية بسوريا في ربيع 2011، اضطر اليوسف إلى ترك بيته ومكتبته وأوراقه في مخيم اليرموك، فانتقل أواخر عام 2012 إلى مخيم النهر البارد في طرابلس – لبنان. وكانت الأمراض المزمنة في قلبه ورئتيه قد أثقلت عليه، فاختطفه الموت في أيار 2013، تاركاً وراءه إرثاً نادراً في الفكر والنقد، وإحساساً حاداً بالنزاهة الثقافية التي قلّ نظيرها.
رحل يوسف سامي اليوسف، لكن كتبه بقيت شاهداً على عقلٍ عربيٍّ عميق، وذائقة نقدية لا تجامل، وصوتٍ فلسطينيٍّ ظلّ وفيّاً لوطنه وللإنسان وللجمال حتى اللحظة الأخيرة.